أحمد بن محمد القسطلاني
131
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن : " بسم الله ، وبالله ، التحيات لله . . . إلخ " . وصححه الحاكم ، لكن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي ، كما قاله النووي في الخلاصة . ومنهم أبو سعيد الخدري عند الطحاوي . ومنهم أبو موسى الأشعري عند مسلم ، وأبي داود ، والنسائي . ومنهم سلمان الفارسي عند البزار . ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة ، والثاني واجب ، وقال أبو حنيفة ومالك : سنتان . وقال أحمد : الأول واجب يجبر تركه بالسجود ، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه . ورواة حديث الباب ما بين حمصي ومدني ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة . 149 - باب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلاَمِ ( باب الدعاء ) بعد التشهد ( قبل السلام ) وللأصيلي : قبل التسليم . 832 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاَةِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ . فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ » . [ الحديث 832 - أطرافه في : 833 ، 2397 ، 6368 ، 6375 ، 6376 ، 6377 ، 7129 ] . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) أي ابن أبي حمزة ( عن ) ابن شهاب ( الزهري قال : أخبرنا عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) سقط قوله : زوج النبي إلخ . ولأبي ذر وابن عساكر : أنها ( أخبرته أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو في ) آخر ( الصلاة ) بعد التشهد قبل السلام ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا : إذا تشهد أحدكم فليقل : ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ) بفتح الميم وكسر السين مخففة . وقيده بالدجال ليمتاز عن عيسى ابن مريم عليه السلام ، والدجل الخلط . وسمي به لكثرة خلطه الباطل بالحق ، أو من دجل : كذب والدجال : الكذاب . وبالمسيح ، لأن إحدى عينيه ممسوحة ، فعيل بمعنى مفعول ، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في أيام معدودة ، فهو بمعنى فاعل ، أو لأن الخير مسح منه فهو مسيح الضلال . ( وأعوذ بك من فتنة المحيا ) ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان ، أي : الابتلاء بالدنيا والشهوات والجهالات ، ( وفتنة الممات ) ما يفتتن به عند الموت في أمر الخاتمة ، أعاذنا الله من ذلك ، أضيفت إليه لقربها منه . أو فتنة القبر ، ولا تكرار مع قوله أولاً عذاب القبر ، لأن العذاب مرتب على الفتنة ، والسبب غير المسبب . ( اللهم إني أعوذ بك من المأثم ) أي ما يأثم به الإنسان ، أو هو الإثم نفسه ، وضعًا للمصدر موضع الاسم ( و ) أعوذ بك من ( المغرم ) أي الدَّين ، فيما لا يجوز أو فيما يجوز ، ثم يعجز عن أدائه . فأما دين احتاجه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة منه ، والأول حق الله ، والثاني حق العباد . ( فقال له ) أي للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قائل ) في رواية النسائي من طريق معمر عن الزهري أن السائل عائشة ، ولفظها : فقلت : يا رسول الله ( ما أكثر ) بفتح الراء على التعجب ( ما تستعيذ من المغرم ) ؟ في محل نصب به ، أي : ما أكثر استعاذتك من المغرم ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( إن الرجل إذا غرم ) بكسر الراء ، وجواب قوله : ( حدث فكذب ) بأن يحتج بشيء في وفاء ما عليه ولم يقم به ، فيصير كاذبًا . وذال كذب مخففة وهو عطف على حدث . ( ووعد فأخلف ) . كأن قال لصاحب الدين : أوفيك دينك في يوم كذا ، ولم يوف ، فيصير مخلفًا لوعده . والكذب وخلف الوعد من صفات المنافقين . وللحموي والمستملي : وإذا وعد أخلف . وهذا الدعاء صدر منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التعليم لأمته ، وإلاّ فهو عليه الصلاة والسلام معصوم من ذلك ، أو أنه سلك به طريق التواضع ، وإظهار العبودية ، وإلزام خوف الله تعالى ، والافتقار إليه ولا يمنع تكرار الطلب مع تحقّق الإجابة لأن ذلك يحصل الحسنات ، ويرفع الدرجات . وزاد أبو ذر عن المستملي ، هنا : قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري : يحكى عن المؤلّف أنه قال : سمعت خلف بن عامر الهمذاني يقول في المسيح ، بفتح الميم وتخفيف السين ، والمسيح مشدد مع كسر الميم ليس بينهما فرق ، وهما واحد في اللفظ ، أحدهما عيسى ابن مريم عليه السلام ، والآخر الدجال لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين ، لكن إذا أريد الدجال قيد به كما مر . وقال أبو داود في السُّنن : المسيح مثقل . هو الدجال ، ومخفف : عيسى عليه السلام ، وحكي عن بعضهم أن الدجال مسيخ بالخاء المعجمة ، لكن نسب إلى التصحيف . وفي الحديث : التحديث بالجمع والإخبار ورواية تابعي عن